فوزي آل سيف
49
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
بالرغم من أن الحسد صفة ذميمة وقد ورد في تقبيحها والتحذير منها الكثير من الأحاديث والروايات[105]، إلا أنه لم يثبت من الناحية العلمية أن حسد الحاسد ـ بذاته ـ مؤثر في حياة المحسود ونعمته. بمعنى: لو أن الحاسد تمنى زوال صحة إنسان، أو نفاذ ثروته، أو زوال جاهه فإن المحسود لا يتأثر بمجرد تمني الحاسد فلا تزول صحة المحسود مثلا أو تحترق ثروته أو يسقط جاهه لمجرد أن الحاسد حسده أو تمنى ذهاب ذلك. ولذلك يعتقد الباحثون أن من الخطأ ما انتشر واشتهر بين الناس من أنهم لا يحبون أن تظهر عليهم آثار النعمة لكيلا يحسدهم الآخرون فتزول عنهم النعمة! فيقال للشخص مثلا: لا تتزين، حتى لا يحسدك أحد. ويتحاشى أن يرِي الآخرين صورة ابنه الصغير، أو ابنته الصغيرة، الجميلين، فيقال له: لا تريها لأحد، وإلا سيحسدونهما. وعندها سيحصل لهما كذا من الأمراض! لقد أصبح من المعتاد أن يقول أحدهم: بمجرد أن قلت لفلان أن حياتنا الزوجية حسنة، حسدنا! فصرنا ندخل في مشكلة ونخرج من أخرى!. أو عندما تحدثت عن عملي الجيد، ومديري الممتاز حسدوني على ذلك فصرت لا اخرج من مشكلة حتى أدخل في أخرى! إن الباحثين يرون أن هذا هو مما لا أصل علمي له، وكذلك لا شيء واضحا من الدين يعضده[106].. نعم قد يؤثر الحسد، أحيانا على الحاسد نفسه، فيبتلى على أثر ذلك بأمراض نفسية، ونكد في العيش وربما بانهدام صحته، ولعل ما جاء في الأحاديث هو مشير إلى هذا المعنى كما ورد (قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله) يعني أنه لو حصل له الموت لكان ذلك عدلًا! واشتهر القول: ما رَأيْت ظالِما أشبه بمظلوم من حاسِد لَهُ نفَس دائِم وعقل هائم وحزن لازم[107].
--> 105 ) ومنها ما أورده الكليني في الكافي 3 / 749 ط دار الحدیث عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصادق عليه السلام، قَالَ: « قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: قَالَ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عليه السلام: يَا ابْنَ عِمْرَانَ، لَا تَحْسُدَنَّ النَّاسَ عَلى مَا آتَيْتُهُمْ مِنْ فَضْلِي، وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ذلِكَ، وَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ ؛ فَإِنَّ الْحَاسِدَ سَاخِطٌ لِنِعَمِي، صَادٌّ لِقَسْمِيَ الَّذِي قَسَمْتُ بَيْنَ عِبَادِي، وَمَنْ يَكُ كَذلِكَ، فَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مِنِّي ». ومنه عنه عليه السلام أيضا: « إِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْإِيمَانَ، كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ ". وقد أورد الري شهري في كتابه ميزان الحكمة 1/ 628 أحاديث كثيرة في ذم الحسد عن أمير المؤمنين عليه السلام، هذه بعضها: ـ: الحسد مرض لا يؤسى. ـ الحسد دأب السفل وأعداء الدول. ـ الحسد مقنصة إبليس الكبرى.ـ الحسد شر الأمراض. ـ الحسد عيب فاضح، وشح فادح، لا يشفي صاحبه إلا بلوغ آماله فيمن يحسده. ـ لله در الحسد ما أعدله ! بدأ بصاحبه فقتله.ـ ثمرة الحسد شقاء الدنيا والآخرة.. 106 (قال أبو حامد الغزالي الطوسي (ت 505 هـ) وهو من أعلام مدرسة الخلفاء، في كتابه إحياء علوم الدين 9/ 145: أما أنه لا ضرر على المحسود في دينه و دنياه فواضح؛ لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدره اللّه تعالى من إقبال و نعمة، فلا بد أن يدوم إلى أجل معلوم، قدره اللّه سبحانه، فلا حيلة في دفعه. بل كل شيء عنده بمقدار، ولكل أجل كتاب. ولذلك شكا نبيّ من الأنبياء، من امرأة ظالمة مستولية على الخلق، فأوحى اللّه إليه فر من قدامها، حتى تنقضي أيامها. أي ما قدرناه في الأزل لا سبيل إلى تغييره، فاصبر حتى تنقضي المدة التي سبق القضاء بدوام إقبالها فيها. ومهما لم تزل النعمة بالحسد، لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا يكون عليه إثم في الآخرة. ولعلك تقول ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي. و هذا غاية الجهل، فإنه بلاء تشتهيه أولا لنفسك، فإنك أيضا لا تخلو عن عدو بحسدك، فلو كانت النعمة تزول بالحسد، لم يبق للّٰه تعالى عليك نعمة، ولا على أحد من الخلق، ولا نعمة الإيمان أيضا، لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الإيمان. قال اللّه تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِكُمْ كُفّٰاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) إذ ما يريده الحسود لا يكون. نعم هو يضل بإرادته الضلال لغيره، فإن إرادة الكفر كفر فمن اشتهى أن تزول النعمة عن المحسود بالحسد، فكأنما يريد أن يسلب نعمة الإيمان بحسد الكفار، وكذا سائر النعم. وإن اشتهيت أن تزول النعمة عن الخلق بحسدك ولا تزول عنك بحسد غيرك، فهذا غاية الجهل والغباوة. فإن كل واحد من حمقى الحساد أيضا، يشتهي أن يخص بهذه الخاصية، ولست بأولى من غيرك، فنعمة اللّه تعالى عليك في أن لم تزل النعمة بالحسد، مما يجب عليك شكرها، وأنت بجهلك تكرهها. وقد أكد هذا المعنى بل نقله بما يشبه النص الفخر الرازي (ت 606 هـ) من أعلام مدرسة الخلفاء في تفسيره مفاتيح الغيب 3/ 242 وكذلك فعل الشهيد الثاني زين الدين العاملي (استشهد سنة 965 هـ) في كتابه المطبوع بعنوان رسائل الشهيد الثاني 1 / 317.. ونقله موافقا ولم يغير فيه تغييرا كثير الشيخ الفيض الكاشاني (ت 1091 هـ) من محدثي الإمامية في كتابه المحجة البيضاء في إحياء الإحياء 5 /343. 107 الري شهري ؛ محمد: ميزان الحكمة 1/ 629